الشيخ الطبرسي

127

تفسير مجمع البيان

علينا حتى ما يحك فيها قليل ولا كثير ، فمرنا فيها بأمرك . فهبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع سلمان في الخندق ، وأخذ المعول ( 1 ) ، وضرب به ضربة ، فلمعت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها ( 2 ) ، يعني لابتي المدينة ، حتى لكأن مصباحا في جوف ليل مظلم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرة فتح فكبر المسلمون . ثم ضرب ضربة أخرى فلمعت برقة أخرى . ثم ضرب به الثالثة ، فلمعت برقة أخرى ، فقال سلمان : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما هذا الذي أرى ؟ فقال : أما الأولى فإن الله ، عز وجل ، فتح علي بها اليمن . وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب . وأما الثالثة ، فإن الله فتح علي بها المشرق . فاستبشر المسلمون بذلك ، وقالوا . الحمد لله موعد صادق . قال : وطلعت الأحزاب فقال المؤمنون : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله . وقال المنافقون : ألا تعجبون يحدثكم ويعدكم الباطل ، ويخبركم أنه يبصر في يثرب قصور الحيرة ( 3 ) ، ومدائن كسرى ، وأنها تفتح لكم ، وأنتم تحفرون الخندق ، ولا تستطيعون أن تبرزوا . ومما ظهر فيه أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال : حدثني أيمن المخزومي قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : كنا يوم الخندق نحفر الخندق ، فعرضت فيه كدية ( 4 ) وهي الجبل ، فقلنا : يا رسول الله ! إن كدية عرضت فيه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رشوا عليها ماء . ثم قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع ، فأخذ المعول أو المسحاة ، فسمى ثلاثا ، ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل ( 5 ) . فقلت له : إئذن لي يا رسول الله إلى المنزل ؟ ففعل . فقلت للمرأة : هل عندك من شئ ؟ فقالت : عندي صاع من

--> ( 1 ) المعول : الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر . ( 2 ) اللابة : الحرة وهي الأرض ذات الحجارة السود التي فد ألبستها لكثرتها . والمدينة المنورة ما بين حرتين عظيمتين . ( 3 ) قال الحموي : الحيرة . مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له ( النجف ) . ( 4 ) هذا هو الظاهر الموافق لسيرة ابن هشام ج 2 : 217 ، والبخاري ج 5 - 90 ، وغيره . لكن في الأصل ( كذانة ) قال ابن الأثير في حديث الخندق : فعرضت فيه كدية فأخذ المسحاة . . . ( آه ) . والكدية : قطعة غليظة صلبة لا يعمل فيها الفأس . ( 5 ) أي : رملا سائلا .